الأحد الدموي - فيلم
كتبهاأحمد سالمين ، في 30 أكتوبر 2008 الساعة: 10:50 ص
تسائلت وأنا أشاهد هذا الفيلم متأخرا عن بدايته بضع دقائق كما أظن :
هل هو فيلم تسجيلي ؟ أم ماذا ؟
مكثت لفترة ليست بالقصيرة محاولا الإجابة على هذا السؤال بتأكيده ، أو نفيه .. كنت أراقب بتمعن كل التفاصيل معتمدا على معرفتي التصنيفية للتخلص من احساسي الغامض بالانزعاج من عدم تيقني بصنف هذا الفيلم الذي شدني منذ الوهلة الأولى لمشاهدته .. إلا أنني ، وبعد انتهاء الفيلم ، أدركت كم أنا محظوظ لخوض هذه التجربة العفوية الممتعة التي انطلقت من مجرد سؤال عفوي ، وبسيط كهذا .
Bloody Sunday
أو
الأحد الدموي
فيلم روائي تاريخي ذو طابع تسجيلي مميز ، يحمل قدرا كبيرا من الصرامة والرصانة الانجليزيتين ، منذ بدايته وحتى الختام ، إلى جانب دفقات غامرة من عواطف ونوازع انسانية متمازجة توزعت على طول زمن الفيلم ( في الوقت نفسه ) .
قصة الفيلم مأخوذة من كتاب ( شاهد على يوم الأحد الدامي ) للكاتب دون مولان ، ويحكي الفيلم الذي يغطي فرضيا نهارا كاملا – من الفجر الى ما بعد الغروب - واقعة المذبحة التاريخية التي قتل خلالها 13 من المتظاهرين على أيدي القوات البريطانية وجرح 14 منهم في شوارع بلدة ديري بإيرلندا الشمالية في 30 يناير 1972 .
مخرج الفيلم هو البريطاني بول غرينغراس ، الذي نجح فيلمه على حد زعمي في إعادة تركيب وبناء الأحداث ببراعة فائقة الى حد وصوله الى خلق إحساس قوي لدي المتلقي بأن ما يشاهده هو تغطية حية غير مسيطر عليها لأحداث حقيقية تجري لحظيا ، وذلك لاعتماده – برأيي - الطريقة التسجيلية كآلية مدروسة لجميع مشاهد الفيلم الخارجية ، وفي جانب آخر كان بمستوى التوفيق ذاته من خلال اللمسات الفنية الروائية التي جاءت مكثفة في المشاهد الداخلية التي أفسحها في بداية الفيلم وحتى قبيل انتصافه - على فترات متباعدة نسبيا - لعلاقات شخصياته الانسانية العاطفية على اختلافها ، و التي عبأ بها تحديداً شخصيات الفيلم الرئيسية الثلاث ، وجهزها تماما لخوض المعركة التي يختصرها عنوان الفيلم .
يتقاسم الأدوار الرئيسية في الفيلم كل من :
الممثل ( جيمس نسبيت ) في دور ايفان كوبر وهو بروتستانتي يتبنى القضية الكاثوليكية ، و يشارك في تزعم مسيرتها المشؤومة بدافع من إيمانه باللا عنف سبيلا لحل القضية العرقية والقومية في ايرلندا الشمالية ، حيث تتجسد من خلال شخصيته القيادية الحكيمة والابوية الروحية مبادئه التي استقاها من شخصية زعيم الحقوق المدنية المناضل الزنجي الأمريكي مارتن لوثر كينج .
الشخصية الثانية ، ويؤديها الممثل (ديكلان دابي ) لمتظاهر كاثوليكي عمره لا يتجاوز العشرين عاما ، بينما هو على علاقة حب بفتاة بروتستانتية يصر على الزواج منها على الرغم من رفض أسرته ، الى جانب تمسكه هو نفسه بقضيته القومية ، و التي تمثل الاسفين الأكبر الذي كان يفصل ما بين عاطفته من جهة ، و معتقداته من جهة مقابلة .
الشخصية الثالثة (بيجوت سميث ) - قائد القوات الانجليزية ، و كانت مهمته العمل على منع مسيرة الاحتجاج أو إيقافها باي طريقة متى ما تجاوزت الخطوط الحمراء المحددة بنقاط أمنية ، و ذلك دون الأخذ في الاعتبار الطبيعة السلمية للمسيرة .
بالإضافة الى شخصية رابعة ثانوية ، وتمثل – برأيي – الضمير الحي المستتر الوحيد في صفوف الجبهة الآثمة في الحدث ، وهو جندي بريطاني بفرقة المظليين وجد نفسه صدفة في عمق جريمة لا علاقة له بها .
الملاحظ في الفيلم بأكمله – تقريبا - بأنه صور بكاميرا محمولة مهرولة ، ومضطربة في لحظات الذروة الدرامية ، ومتحركة بأقصى ما يمكن من التواصل ( دون قطع ) ، سوى في لحظات الانتقال ما بين المشاهد الخارجية الراصدة لحراك المسيرة في شوارع البلدة وطرقاتها المتشعبة ، وبعض المشاهد الداخلية الراصدة للوضع المتأزم والمثير في مراكز وثكنات قيادة القوات البريطانية المسؤولة عن أيقاف المسيرة . إضافة الى مشاهد قليلة و متفرقة تختزل صورا أخرى للجو العام للفيلم وتبديها في حالتها الكامنة ، أو الرابضة كما في المشهد المعبر عن القلق والترقب والانتظار لوالدة الشاب الكاثوليكي التي ظهر معها في بدايات الفيلم على خلفية الخلاف القائم من وراء قراره بالزواج من فتاته البروتستانتية . ومشاهد أخرى شبيهة ، حيث يخيل لي وكأن الكاميرا في مثل هذه المشاهد تجنح لفترات قصيرة لالتقاط أنفاسها التي توشك على الانقطاع من اللهاث خلف الأحداث المتسارعة دون هوادة في الخارج .
انه فعلا أحد الافلام ( المؤرِِخة ) القليلة التي أدهشتني ، خصوصا وأنه - على الرغم من بساطته التقنية - جعلني أشعر بأن هذا ماحدث بالضبط يومها ، وبالتفاصيل ذاتها ، دون أية احتمالية لزيادة أو نقصان . وهذا بالضبط ما حققه النزوع الى أجواء التسجيل أو التوثيق في عملية إخراج الفيلم ( كما أعتقد ) .
الفيلم على كما أعتقد انتج في أواخر التسعينيات ، وقد حاز على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين الدولي . وقد شاهدته ( للاسف ) على قناة ( سوبر موفيز ) منذ أشهر عدة ، و عن طريق الصدفة ، واستقيت بعض المعلومات المهمة عنه من بعض المواقع المتفرقة ؛ كأسماء الممثلين ، وبعض الصور ، ومعلومة حيازة الفيلم للجائزة الخ ..
( أتمنى أن تكون ذاكرتي عن الفيلم قد أسعفتني الى الحد الذي لم تتأثر كتابتي عنه بأجواء أفلام أخرى شاهدتها بعده )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سينما | السمات:سينما
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















